
مقال:

وفي هذا السياق، ترتفع أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، بينما يواجه العالم خطر أزمة أمن غذائي نتيجة تعطل إمدادات الأسمدة، مما يدفع البنوك المركزية إلى رفع الفائدة للسيطرة على الأسعار، بالتزامن مع بلوغ عوائد السندات الحكومية مستويات قياسية في نحو 20 عامًا في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وأستراليا.
تتعرض الشركات في ألمانيا لموجة من الإفلاسات، إذ أغلقت مليون و65 ألف شركة ومشروع على مدار السنوات الست الماضية، بمتوسط 486 شركة يوميًا خلال هذه الفترة.
وخلال الأشهر السبع الأولى من هذا العام، سُجلت حوالي 14,500 حالة إفلاس، مع توقع أن يرتفع العدد إلى 24,650 شركة بنهاية السنة. وقد أثرت حالات الإفلاس على أكثر من 165 ألف وظيفة خلال النصف الأول من السنة.
وترتبط هذه الإفلاسات بارتفاع تكاليف التشغيل، وبخاصة أسعار الطاقة، بالإضافة إلى المنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع تكاليف التمويل، ونقص العمالة.
يأتي قطاع السيارات الألماني في قلب الأزمة، حيث تخطط فولكس فاغن لتسريح 50 ألف موظف بحلول عام 2030، بينما تدرس BMW إلغاء 8 آلاف وظيفة قريبًا. أما مرسيدس، فقد تم تأجيل صرف نحو 90 ألف موظف إلى العام المقبل بدلاً من الشهر الماضي.
وتأتي هذه التطورات في ظل عدة عوامل تم ذكرها كأسباب للضغوط على الشركات الألمانية، مثل ارتفاع تكاليف التشغيل، وبخاصة أسعار الطاقة، والمنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع تكاليف التمويل، ونقص العمالة.
وفي حديثه إلى برنامج «بزنس مع لبنى» على سكاي نيوز عربية، تناول الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت، محمد علي ياسين، هذه التطورات ضمن تحليله للضغوط الاقتصادية والمالية الحالية.
يربط محمد علي ياسين بين هذه الصورة الأوسع والتوتر القائم في السياسة الاقتصادية الأميركية. فهو يرى أن الاقتصادات تواجه تحديات متنوعة، وأن بعض التأثيرات السلبية للأحداث الحالية كانت آنية، لكن الإشكالية تكمن في التضارب بين ما قد يكون صحيحًا للاقتصاد وما قد يكون صحيحًا للسياسيين.
ويشير إلى أن نمو الناتج المحلي في الولايات المتحدة مستمر منذ إدارة بايدن، وأن اقتصاد هذا البلد يُظهر قوة مقارنة بالأسواق والاقتصادات والدول المتطورة. ومع ذلك، يرى أن القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة تواجه تضاربًا بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية.
ويقول إن الهدف الأساسي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هو خفض كلفة الاقتراض وانخفاض الفائدة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة، خاصة مع استمرار الحرب الإيرانية، جعل تنفيذ هذه الخطوة أكثر صعوبة. ووفقًا لتحليله، فإن استمرار ارتفاع التضخم مع عدم خفض الفائدة يعد تأخيرًا في اتخاذ القرار الصحيح، ويصفه بأنه قرار سياسي اقتصادي خاطئ قد تكون له انعكاسات سلبية على المدى الطويل.
تتجلى هنا سوق السندات كمؤشر مهم لهذا التوتر، إذ يرى ياسين أن التسعير الحالي يعكس هذا التضارب. فقد بلغت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عامًا 5.28% ولأجل 10 سنوات 4.84%، وهي مستويات لم تُرَ منذ 15 إلى 20 عامًا.
أشار ياسين إلى أن ديون الحكومة الأميركية تبلغ نحو 40 تريليون دولار، في حين يصل عجز الموازنة إلى نحو تريليوني دولار. أوضح أن الحكومة الأميركية تواصل إصدار سندات جديدة لسداد السندات السابقة، موضحًا أنه يمكن إصدار سندات لأجل عامين، ثم إصدار سندات جديدة قبل استحقاقها لسداد السندات القديمة واستمرار عملية الاقتراض.
في الوقت نفسه، قال إن هذه الآلية تزيد العجز، مبينًا أنه عندما ينمو الناتج المحلي بنسبة 3% بينما تبلغ كلفة الدين 4.5%، ينشأ فارق سلبي قدره 1.5 نقطة مئوية، مما يزيد الضغط على حساب الدين. وأضاف أن ارتفاع حساب الدين يجعل البنوك والمستثمرين أقل استعدادًا للإقراض، مشبهًا ذلك بشخص تتزايد عليه الديون، مما يرفع مخاطر التعثر عن السداد.
وحذر ياسين من أنه إذا تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، فإنه يتوقع أن تشهد سوق الأسهم تصحيحًا كبيرًا.
ولا تتوقف المنافسة الاستثمارية عند السندات والأسهم. فقد تساءل ياسين: «إذا كان عائد السند الحكومي يبلغ 5.25%، فلماذا أشتري سهمًا يحقق عائدًا يتراوح بين 3 و4%؟» وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات يخلق منافسة بين الأدوات الاستثمارية، بما في ذلك الودائع المصرفية، التي ينبغي أن تقدم عوائد أعلى.
في ظل حالة عدم اليقين، يرى ياسين أن «الأسواق تكافئ الأمان»، موضحًا أنه إذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد يتراوح بين 5 و6% من خلال وديعة، مع استقرار العملة وارتباطها بالدولار، فإنه قد يتساءل: «لماذا آخذ مخاطر؟» وأضاف أن المستثمر في أوقات عدم اليقين يمكنه الاحتفاظ بأمواله في الوديعة والحصول على عائد يتراوح بين 5 و6%.
وفيما يتعلق باحتمال أن يؤدي انفجار فقاعة السندات إلى أزمة مالية عالمية جديدة، يرى ياسين أن «كل شيء معقول»، مشيرًا إلى أن الأزمات قد تحدث عندما لا يكون الجميع منتبهًا إليها، وليس عندما يتوقعها الجميع.
يضيف ياسين أن مستويات الدين الحالية غير مسبوقة تاريخيًا، مؤكدًا تراجع الثقة في شراء السندات، وأن إعادة تمويل الديون تمثل تحديًا. وحتى إذا كانت هذه المشكلة يمكن تجاوزها، فإن تداعياتها قد تمتد إلى دول وصناعات أخرى.
يعتقد ياسين أن ما يحدث في ألمانيا قد يعكس مشكلة أوسع في أوروبا، مشيرًا إلى أن ألمانيا، باعتبارها قاطرة الاقتصاد الأوروبي واقتصادًا صناعيًا، تواجه منافسة من الصين. أما الدولار، فيعتبر أنه لا يزال عملة الاحتياطي العالمية وسيبقى كذلك لفترة، لكنه قد يصبح مستقبلًا واحدًا من مجموعة عملات، بدلًا من أن يظل العملة الرئيسية الوحيدة.
الذهب والودائع.. البحث عن الأمان
في ظل عدم اليقين،
يرى ياسين أن المستثمر الذي يمتلك سيولة يجب ألا يبيع كل شيء، لكنه لا يعتقد أن ضخ سيولة استثمارية جديدة هو الخيار الأمثل دائمًا. ويعتبر أن الاحتفاظ بها في وديعة قد يكون ملائماً، حيث يمكن أن تعكس التذبذبات فرصة للدخول بأسعار أفضل.
أما بالنسبة للذهب، فهو يرى أن ارتفاع العوائد إلى مستويات 5% و6% يجعله أقل جاذبية كأداة استثمارية، لكنه لا يغير موقفه من المستثمرين على المدى الطويل. وبحسب رأيه، فإن تخصيص 20% إلى 25% من المحفظة للذهب ليس شيئًا خاطئًا ولا يمثل مخاطرة بالنسبة للمستثمر طويل الأمد.
ومع توسيع صورة الأزمة التي تمتد من التضخم والطاقة والسندات والدين إلى الشركات والوظائف، فإن الحالة الألمانية تقدم صورة مباشرة عن الكلفة التي يمكن أن تتحملها سوق العمل عندما تتراكم ضغوط الطاقة والتمويل والمنافسة في وقت واحد، حيث تظهر أرقام الإفلاسات وتسريح العاملين وتأجيل المستحقات هذه الضغوط.
بين انقسامات جيوسياسية تُعد الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ووجود حوالي 130 نزاعًا مسلحًا حول العالم مقابل 65 نزاعًا في العام الماضي، تزداد كلفة الاضطرابات الاقتصادية. وتبلغ الخسائر السنوية نتيجة هذه الانقسامات نحو 300 مليار دولار، وقد تصل إلى 7 تريليونات دولار إذا اتسعت، دون احتساب المواجهات العسكرية، وفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي.
وفي هذا السياق، ترتفع أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، حيث يواجه العالم خطر أزمة أمن غذائي الناتجة عن تعطل إمدادات الأسمدة. وتدفع موجة الغلاء البنوك المركزية إلى رفع الفائدة للسيطرة على الأسعار، مع بلوغ عوائد السندات الحكومية أعلى مستوياتها في نحو 20 عامًا في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وأستراليا.
### ألمانيا.. الإفلاس يتحول إلى أزمة وظائف
تواجه الشركات في ألمانيا موجة من الإفلاسات، حيث أُغلقت مليون و65 ألف شركة ومشروع خلال السنوات الست الماضية، مع متوسط بلغ 486 شركة يوميًا خلال هذه الفترة.
وخلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، سُجلت نحو 14,500 حالة إفلاس، مع توقع ارتفاع العدد إلى 24,650 شركة بنهاية العام. وأثرت حالات الإفلاس على أكثر من 165 ألف وظيفة خلال النصف الأول من العام.
وترتبط هذه الإفلاسات بارتفاع تكاليف التشغيل، وخصوصًا أسعار الطاقة، إلى جانب المنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع تكاليف التمويل، ونقص العمال.
### قطاع السيارات الألماني في قلب اختبار العمالة
يواجه قطاع السيارات الألماني تحديات كبيرة؛ حيث تخطط فولكس فاغن لتسريح 50 ألف موظف بحلول عام 2030، فيما تدرس BMW إلغاء 8 آلاف وظيفة قريبًا. أما مرسيدس، فقد أُجل صرف نحو 90 ألف موظف إلى العام المقبل بدلًا من حصولهم عليه في الشهر الماضي.
وتأتي هذه التغييرات في ظل عوامل عدة، منها ارتفاع تكاليف التشغيل وأسعار الطاقة، بالإضافة إلى المنافسة الصينية والرسوم الجمركية الأميركية وارتفاع تكاليف التمويل.
وفي حديثه لبرنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية، ناقش الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت، محمد علي ياسين، هذه التطورات في سياق الضغوط الاقتصادية والمالية الحالية.
### السندات الأميركية.. كلفة الاقتراض تضغط على الاقتصاد
يربط محمد علي ياسين بين هذه الصورة الأوسع وبين التوتر في السياسة الاقتصادية الأميركية. ويشدد على أن الاقتصادات تواجه تحديات متعددة، وبعض التأثيرات السلبية الحالية كانت آنية، لكن المشكلة تكمن في التضارب بين ما قد يكون صحيحًا للاقتصاد وما قد يكون صحيحًا للسياسيين.
ويشير إلى أن نمو الناتج المحلي في الاقتصاد الأميركي مستمر منذ إدارة بايدن، حيث يُظهر هذا الاقتصاد قوة مقارنة بالأسواق والدول المتطورة، ولكنه يعتقد أن القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة تعاني من عدم التوافق بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية.
ويقول إن الهدف الرئيسي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هو خفض كلفة الاقتراض، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة، لا سيما مع استمرار الحرب الإيرانية، جعل من تنفيذ هذه الخطوة أكثر صعوبة. ويعتبر أن استمرار ارتفاع التضخم دون خفض الفائدة يعد تأخرًا في اتخاذ القرار الصحيح، ويصف ذلك بأنه قرار سياسي اقتصادي خاطئ قد يترك آثاراً سلبية على المدى الطويل.
وفي سياق الحديث عن السوق السندات، يرى ياسين أن التسعير الحالي يعكس هذا التضارب. حيث بلغت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عامًا 5.28% ولأجل 10 سنوات 4.84%، وهي مستويات لم تُرَ منذ 15 إلى 20 عامًا.
### الدين الأميركي يرفع مستوى المخاطر
وأشار ياسين إلى أن ديون الحكومة الأميركية تقترب من 40 تريليون دولار، بينما يبلغ عجز الموازنة نحو تريليوني دولار. وأوضح أن الحكومة الأميركية تستمر في إصدار سندات جديدة لسداد السندات السابقة، حيث يمكن إصدار سندات لأجل عامين ثم إصدار جديدة قبل استحقاقها لسداد القديمة.
وأشار إلى أن هذه الآلية تسهم في زيادة العجز، فحالما يتجاوز نمو الناتج المحلي 3% بينما تبلغ كلفة الدين 4.5%، يظهر فارق سلبي تبلغ قيمته 1.5 نقطة مئوية، مما يزيد الضغط على حساب الدين. كما أن ارتفاع هذا الحساب يجعل البنوك والمستثمرين أقل استعدادًا للإقراض، مشبهاً ذلك بحالة شخص تتزايد ديونه مما يزيد مخاطر التعثر عن السداد.
وحذر ياسين من أنه إذا تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، فإنه يتوقع أن يشهد سوق الأسهم تصحيحًا كبيرًا.
### عوائد السندات تنافس الوظائف والاستثمار
لا تتوقف المنافسة الاستثمارية عند السندات والأسهم فقط. فقد تساءل ياسين: “إذا كان عائد السند الحكومي يبلغ 5.25%، فلماذا أشتري سهمًا يحقق عائدًا يتراوح بين 3 و4%؟” ولفت الانتباه إلى أن ارتفاع العوائد على السندات يخلق تنافسًا بين الأدوات الاستثمارية، بما في ذلك الودائع المصرفية التي يجب أن تقدم بدورها عوائد أعلى.
وفي ظل حالة عدم اليقين، يرى ياسين أن “الأسواق تكافئ الأمان”، مشيرًا إلى أنه إذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد يتراوح بين 5 و6% عبر وديعة، مع استقرار عملة ترتبط بالدولار، فإنه قد يتساءل: “لماذا آخذ مخاطرة؟” ويضيف أن المستثمر في أوقات عدم اليقين يمكنه الاحتفاظ بأمواله في وديعة والحصول على عائد يتراوح بين 5 و6%.
### أزمة السندات.. هل تمتد إلى الاقتصاد العالمي؟
فيما يتعلق باحتمالية أن تؤدي فقاعة السندات إلى أزمة مالية عالمية جديدة، يعتقد ياسين أن “كل شيء ممكن”، مشيرًا إلى أن الأزمات قد تحدث عندما لا يكون الجميع منتبهًا إليها، لا عندما يتوقعها الجميع.
ويؤكد ياسين أن مستويات الدين الحالية غير مستدامة.مسبوقة تاريخيًا، تشير إلى تراجع الثقة في شراء السندات، وتؤكد أن إعادة تمويل الديون تمثل تحديًا. حتى لو تم تجاوز هذه المشكلة، فإن تداعياتها قد تمتد إلى دول وصناعات أخرى.
يرى ياسين أن ما يحدث في ألمانيا قد يعكس مشكلة أوسع في أوروبا، مشيرًا إلى أن ألمانيا، كونها قاطرة الاقتصاد الأوروبي واقتصادًا صناعيًا، تواجه منافسة من الصين. فيما يتعلق بالدولار، يعتقد أنه لا يزال عملة الاحتياطي العالمية وسيستمر كذلك لفترة، لكنه قد يتحول مستقبلًا إلى واحد من مجموعة عملات، بدلاً من أن يبقى العملة الرئيسية الوحيدة.
**الذهب والودائع.. البحث عن الأمان**
في ظل عدم اليقين، يرى ياسين أن المستثمر الذي يمتلك سيولة لا ينبغي أن يبيع كل شيء، لكنه في المقابل لا يعتبر أن ضخ سيولة استثمارية جديدة هو الخيار الأفضل بالضرورة. ويعتبر أن الاحتفاظ بها في وديعة قد يكون مناسبًا، بينما يمكن أن تمثل التذبذبات فرصة للدخول عند أسعار أفضل.
أما الذهب، فيرى أن ارتفاع العوائد إلى مستويات 5% و6% يجعله أقل جاذبية كأداة استثمارية، لكنه لا يغير موقفه من المستثمر طويل الأجل. بحسب رأيه، فإن تخصيص **20% إلى 25% من المحفظة للذهب** ليس أمرًا خاطئًا ولا يمثل مخاطرة بالنسبة إلى المستثمر طويل الأجل.
وهكذا، تمتد صورة الأزمة من التضخم والطاقة والسندات والدين إلى الشركات والوظائف. وفي الحالة الألمانية تحديدًا، تقدم أرقام الإفلاسات وتسريح العاملين وتأجيل المستحقات صورة مباشرة عن الكلفة التي يمكن أن تتحملها سوق العمل عندما تتراكم ضغوط الطاقة والتمويل والمنافسة في وقت واحد.






